الأحد، 27 أبريل 2014

العنف في المجتمع المصري .. ظاهرة بدأت متقطعة ثم أشعلتها السينما المصرية وفاقمتها إنتخابات الرئاسة المصرية 2005م.

قد يبدو العنوان غريبا أو شاذا للوهلة الأولى .. نظرا لإرتباط ظاهرة عدوانية بما يمكن أن نطلق عليه تطورا إصلاحيا في إتجاه الديمقراطية ... ولكن ... وآه من ولكن ... فهي تجذبنا للأسف إلى أحداث بداية الألفية ... حيث بدأ الأمر في
الظهور .. ولم يتحول إلى ظاهرة بعد ... ولكننا أشعلنا فتيل الأزمة بأيدينا ... وها نحن اليوم نحصد ما زرعناه ...
 **** البداية ... السينما المصرية ...

... مما لا شك فيه أننا  في المجتمع المصري نتأثر كثيرا بما نوجه إليه ،سواء كان توجيها داخليا أو خارجيا ... وأقصد هنا أننا مازلنا نوجه بفعل الحكومة مثلا نحو قضية معينة أو إتجاه معين ، وكذلك يمكن للإعلام الأجنبي مثلا وفي الأفلام تحديدا بنسبة 90% وبعض القنوات سواء كانت عربية مثل الجزيرة أو أجنبية مثل الـ CNN أو الـ BBC التأثير في الرأي العام المصري في بعض القضايا ..
 ... المهم .. نعود إلى موضوعنا وإن كان وثيق الصلة بما فات ، فالجميع يعلم تأثير أفلام السينما في تفكير وعقول الشباب، وقد سبقنا الغرب في دراسة هذه التأثيرات بإستفاضة ... ولكن كالعادة فنحن لا نأخذ إلا السطحيات دون المضمون ، البداية كانت مع الفيلم الرائع للنجم المحبوب أحمد السقا .. ( مافيا ) والذي كان بداية لسلسلة مختلفة
جديدة على السينما المصرية من حيث النوعية والإنتاج ، وحتى طريقة التمثيل ... وجديدة على شبابنا أيضا .. الفيلم قدم نموذجا لشاب مصري تعرض لبعض المعوقات في حياته في الكلية العسكرية التي إلتحق بها بعد شقاء السنين وكفاح والده العامل الذي أغلق المصنع الذي كان يعمل به , فجلس في منزله بلا عمل ولا مورد للرزق .. وإختار
الشاب السفر للخارج ... والإنخراط في عالم المافيا .. حتى تستقطبه المخابرات المصرية بعد دراسة معدنه الأصيل الذي يحتاج فقط إلى نفض الغبار عنه ... حتى يتحول البطل من شاب متهور فاسد إلى بطل قومي ، وشخص ناجح جدا ، ساهم في حفظ أمن بلاده المحبوبة ... الفيلم قدم نموذج البطل ... ولاقى نجاحا سينمائيا باهرا ... وشعبيا
أيضا ...فأحبه الشباب ... ووجدوا فيه مثالا وقدوة .. و ..... !!!!؟؟؟؟

... وهنا ... أتوقف قليلا ... لنبدأ تحليلنا من وجهة نظر أخرى ومن جانب آخر تماما .... فالواقع أن علاقة المجتمع المصري بالقصص المخابراتية .. لا تتعدى في واقع الحال ( بغض النظر عن حب الجمهور المصري للأفلام الأمريكية في هذا السياق ) لا تتعدى بعض القصص أو القضايا الشهيرة ... مثل "رأفت الهجان" ( رفعت الجمال ) ، أو "جمعة الشوان" ( أحمد الهوان ) ، أو "عزام عزام" صاحب القضية الشهيرة ... أو "فضيحة لافون" ... وإن كان الكثير من الجيل الحالي لا يعلمون عنها شيئا .... والجزء الأكبر من شبابنا ... أو على الأقل قطاع كبير منه ... مرتبط بشخصية "أدهم صبري" الشهيرة التي قدمها الكاتب المبدع " د. نبيل فاروق " وصارت قدوة ... وهدفا .. ومعشوقة للشباب المصري والعربي أيضا .. ولكن وعلى الرغم من هذا ... لم ... يتطرق التفكير أبدا ...إلى أن هناك صراعات مخابراتية كما حدث في الفيلم ... تجري على أرض مصر ... وبهذه الحدة والحرفية ... وأن أي شاب يمكن أن يجد نفسه فجأة واقعا في صراع مخابراتي وقد يكون أحد أطراف هذا الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر ...
 .... وبدأت الفكرة الفكرة تتوالد داخل نفس كل شاب وفتاة أيضا ، فما المانع أن يشارك في عمل مخابراتي أو بطولي ويصبح بطلا ؟ .... في البداية كانت الفكرة إيجابية ولكن مع الوقت ومع توالي الأحداث تحولت الفكرة إلى
فكرة بطولية وهمية ، لا يهم فيها ( فيم أو كيف ) ولكن المهم أن تصبح بطلا ...أو بمعنى أدق ومن خلال هذا المفهوم الجديد ... كيف تصبح بطلا ... أو بمعنى أدق ومن خلال هذا المفهوم الجديد كيف تصبح إنسانا خارقا ليس له ند .. ولا مثيل .. يهابه الجميع ويخشاه الجميع ايضا ... مخطئ أو مصيب لا يهم .. المهم .. كيف تتحول إلى ذلك
البطل الزائف ؟
 .. ولكي لا يظن البعض أنني قد حملت الأمور أكبر من طاقتها .. فإنني لا اتكلم هنا عن الفيلم بحد ذاته  بل عن موجة من الأفلام تلته على نفس الوتيرة وكذلك عدد من المسلسلات التليفزيونية ... وبدأ ناقوس الخطر يدق ... ولم يلتفت أحد ...

... المشكلة أن تلك الأفلام أدخلت نوعا من الفن لم نعتمد عليه كثيرا وخاصة بهذه التقنيات الحديثة وهو الأكشن ... وأصبح حلم كل فتى وخاصة ممن لم ينالوا قسطا وافرا من التعليم والحظ  ... أو ممن جابهتهم الحياة بمرها الأليم ... أن يتفوق في هذا المجال ... وكيف يبدو صاحب جسد رياضي يجذب الفتيات ويتباهى بقوته أمامهن ... ويبحث عما يمكن أن يبرز هذه القوة أكثر، فيلجأ لإثارة الخناقات والعراك .. و .. ينتصر .. ويصير بطلا ... من ورق ...

... الكارثة الكبرى .. كانت في نوع آخر مصاحب لهذه النوعية من الأفلام .. ولكنه لم يقدم نفس الموضوع .. وإنما تحدث عن بطل من نوع آخر، بطل في النصب والغش والخداع .. يتحول بقدرة القادر من نصاب إلى شخص يغني يعيش حياته كيفما شاء ثم تأتي الصحوة المباغتة على يد يحبها ... ويالها من صحوة يرد بها المظالم إلى أهلها ويتمكن من عيش حياة رغداء سعيدة دونما مشكلات، وكأنما اصبح النصب والإحتيال هما الطريق الوحيد لعيش حياة رغيدة .. واتحدث هنا عن الأفلام من نوعية إوعى وشك وكذلك عدد كبير من المسلسلات والأفلام على نفس الوتيرة ..

... ما فات كان مصاحبا لتغيرات تحدث في المجتمع المصري منذ زمن مثل هجوم الفضائيات الغنائية والمسلسلاتية، وانهيار الأخلاق وارتداء الفتيات نوعية من الملابس إما محتشمة للغاية .. مثل العباءات أو متبرجة سافرة للغاية أيضا وعارية في أحيان كثيرة .. وما يصاحب ذلك من بطالة وانتشار المخدرات .. وأصبح الحشيش والبانجو مثل الفول
والفلافل في المجتمع المصري والمدارس المصرية .. ناهيك عن الحراك السياسي متمثلا في الحدث الكبر .. " فتح باب الترشح للإنتخابات الرئاسية المصرية " وقبلها إجراء إنتخابات نيابية حرة للمرة الولى يشرف عليها القضاء بشكل كامل ..
ورغم ما شابها من أخطاء ولكنها أفرزت فوز عدد كبير من الإخوان المسلمين ودخولهم لمجلس الشعب ... وهنا بدأت المشكلة تتصاعد ..

... تعودنا جميعا ومنذ قديم الأزل .. واتحدث هنا عن مصر والمصريين بشكل عام .. منذ أيام الفراعنة على إحترام الحاكم أو الفرعون وقتها .. وحتى لحظة التعديلات الدستورية وإجراء إنتخابات الرئاسة .. لم يجرؤ أحد على سب رئيس الجمهورية بشكل علني ابدا ... وأزعم أنه رسخ في ضمير الكثير منا ... أن هذا الحاكم مهما إختلفنا معه لا يصح أبدا
أن نشتمه فهو رمز البلاد وممثلها في المحافل الدولية .. هكذا تعلمنا ... وتربينا ... ونشانا أيضا .. كما نشأنا على المطالبة بالإبتعاد عن السياسة وعدم الإنجذاب وراء أي حزب او جماعة حتى لا يضيع مستقبلنا ... ثم فجأة طُلب منا الإنخراط في السياسة والحق في الإنتخاب .. وظهرت جماعات مثل كفاية التي بادرت أول ما بادرت بالسباب
والشتائم .. وتلتها مجموعة من الصحف والكتاب المكبوتين والحانقين وفيهم الكثيرين الذين كانت لهم مواقف مخالفة تماما فيما سبق على ما فعلوه بعد فتح باب الإنتخابات ... وتوالت الأحداث وتصاعدت الشتائم لتنال كل مايخص الرئيس وأسرته والعائلة باكملها.. وبأقذع أنواع الشتائم التي عرفتها ألسنتنا ... وانهارت القدوة .. وسقط القائد .. ولا أتحدث هنا عن انهيار وسقوط سياسي ، ولكني أتحدث عن انهيار معنوي في أذهان الشباب ... شباب وجدوا أن لا كبير لهم .. فأصبحوا هم الكبار .. وهم في الحقيقة مجرد صغار لا يفقهون شيئا ... هم ضحايا صنعتهم أيدي الطامعين والطامحين في السلطة والمآرب الشخصية .. وعلى راسهم جورج إسحاق وايمن نور .. ومصطفى الفقي ومصطفى بكري
.. ولكل قصته واسلوبه في التحايل والنفاق وجذب الإنتباه .. وأعرف أن الكثيرين سيختلفون معي وبخاصة حول ما كتبته من أسماء .. ولكن عموما ليس هذا موضوعنا .. فالكارثة حدثت أخيرا وبشكل عملي .. فما فشلت فيه الأفلام والإعلام الغربي .. حققناه نحن بأيدينا .. هدمنا كل كبير .. وهدمنا معه عاداتنا وتقاليدنا واخلاقنا وأصبحنا نطالب بالبطش الأعمى بكل كبير وصغير ... ونعادي أنفسنا قبل الآخرين ..

... لا أختلف مع أحد على أن التعددية حق لنا والإنتخاب حق لنا أيضا ، ولكن ليس على تلك الصورة العمياء .. والتقليد الفج للمجتمع الغربي .. دون النظر لأيديولوجيتنا العربية والإسلامية ... فتاريخ حضارتنا ، وحتى في عهد الفراعنة كان يتحدث عن حاكم واحد .. وما دام هذا الحاكم لم يخطئ فلا مبرر لتغييره والثورة ضده .. وهذا هو المفترض أن يحققه النظام الإنتخابي ..

.. ففي رأيي أن الإنتخاب ليس هدفه الأساسي هو تغيير الحاكم ، وإنما هو تقييم مستواه وبالتالي الإحتفاظ به او تغييره .. إذا فالتغيير هو نتيجة الغرض الفعلي للإنتخابات .... وهو التقييم ... بل إن مصر لم تحقق مجدها في العصر الحديث إلا على يد حاكم وصف بالمحتكر ، هو " محمد علي باشا " ..

.... قلدنا الغرب تقليدا أعمى .. فأصبحنا نشتم كبارنا ونسُبهم ونسُب أنفسنا ... رغم أننا ندرك تماما أن هذه هي ثقافتهم ... أما ثقافتنا نحن .. فلا  ... ثقافتنا الحقيقية هي الإختلاف والنقاش ولكن بدون السباب وإنتهاك اعراض الاخرين .. هذه هي حياتهم .. أما نحن فلم يكن هذا تراثنا أبدا .. ومن أيام خلفاؤنا .. ولكي لا يقول احد وماذا عن على وعثمان ومعاوية وغيرهم .. أدرك كل هذا .. ولكن لا أعتقد أبدا أن أحدا منهم جرؤ على ان يشكك في شخص
الآخر .. تقاتلوا .. نعم .. وتناحروا أيضا .. نعم .. ولكنهم لم ينتهكوا أعراض بعضهم .. لم نسمع عن احدا




.. إلى هنا توقفت كلماتي في فبراير 2009 م. .... وأشهد الله أنني لم أقرا هذه الكلمات ثانية سوى في أكتوبر 2012 م. .. وبالتحديد في نهاية أكتوبر 2012 م. .... والحقيقة أنه لم يعد هناك ما يقال .. فما جرى قد جرى .. وما سقط قد سقط .. وما زلنا في الإنتظار .. والمؤكد أنه .. الأسوأ ... لم يأت بعد ..

 7 / 11 / 2012 م.

 الساعة الواحدة وخمس دقائق ظهرا ..

جيهان أدهم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق